Affichage des articles dont le libellé est واحة النثر. Afficher tous les articles
Affichage des articles dont le libellé est واحة النثر. Afficher tous les articles

vendredi 22 avril 2011

همسات عطر الحنين



 
خاطرة
همسات عطر الحنين 
بقلم الكاتبة
سلـوى فــرح

يغفو الحنين على شاطئ الأمل.. ويهدأ الحلم بين رموش العاشقين.. اسهر وحيدة.. استرجع ذكريات القرية، و التنور.. وعبق ألليلك الفواح من تلك القرية الدافئة يوقظ براعم النرجس الغافية في نبض قلبي.. وتبرق عيناي دمعاً، ولوعةً.. تداعب زخات المطر الناعمة شفاه الأرض.. فتزدهر أحلام القرنفل وتفوح رائحة التراب عطرا سحري فواحا..لا عطر يشبه عطر التراب الممزوج بحبات المطر كما عطر بلادي.. حفيف أشجار التفاح من تلك البساتين يهامس ذاكرتي.. فيزيد صباحي عذوبة و أملا.. وترتشف أمسياتي منه دفئاً لطيفاً..
كم يغويني شذى الياسمين ويؤرقني حنينا إلى جلسات الصباح في ظل محبة أمي نشرب القهوة في حديقتها السعيدة معا على أنغام زقزقة جوقة عصافير الحرية، والحان فيروز الملائكية.. وتتساقط بتلات الياسمين فوق رؤوسنا كرذاذ الثلج اللؤلؤي.. وكأن تلك البتلات هدايا ربانيه من عظمة الخالق.. تذكرنا في محبته وكرمه وعطائه الامحدود.. وكأنها أيضا رسائل سماوية تحثنا على التغيير والأمل.. تمد غربتي شوقا..و دفئا.. وإصراراً على الاستمرار في الصعود حيث شمس وطني..
كم أتمنى أن يعود الزمن إلى الوراء كي أعود طفلة أهرول، وأدور فرحة في بساتين التفاح.. أقضم ساندويتش الزعتر (السعتر) اللذيذ وأختبئ في كوخ جدتي أشرب الشاي, واستمع إلى قرقعة الشتاء على ظهر توتة كوخ الزيتون كأنها أجمل سيمفونية تعزفها الطبيعة الخلابة.. ما ادفأ كوخك يا جدتي!! وكم أشعر بالامان الحقيقي فيه.. فمهما ارتفعت ناطحات السحاب لا تضاهي ارتفاع المحبة، والصدق في سحر كوخك وقلبك العظيم.. هو كوخ المحبة يختصر حنان الكون في جدرانه الطينية، وتاريخ الحب في بساطته السحرية.. ويحصر معاني الحكمة في خيوط القنب المزركشة بفراشات الأمل التي تزين بساط الشتاء المتواضع الذي حاكته يداك الصامدتان بصبر، وأناة.. أقبل أناملك جدتي التي أضافت للمحبة معنى آخر.. ولوناً سحرياً مميزاً..
تأخذني ذكريات المودة الحميمة وهي تلوح لي من بعيد.. من غابر الزمان.. وسهرات كبس حبات الزيتون حول مدافئ تشرين في موسم القطاف.. لها متعة خاصة.. وما أجمل ذلك التكور الودي حول صينية الطعام القشية المزخرفة، أنا وإخوتي، ونحن نتناول كِسفَه.. كما تتكور كتاكيت الدجاجة حول أمها.. و نعيش لحظات الألم والفرح معا.. متلاحمون.. كما أسراب الإوز..
حتى أن تسلل الشمس إلى غرفتي، كان له رونقاً آخر.. وترنيمة خاصة.. لم أرَ لحناً أعذب من نشيد وطني.. ولا بسمة تشبه الفرح المشرق من شمس وطني.
يتأجج الشوق بين شرايين جسدي لهيباً، كلما احمرّت عناقيد الكرز على شفاه الربيع.. ولم تستطع ثلوج الغربة المتجمدة أن تطفئه.. و تختلج دقات قلبي عشقاً, وحباً, وشوقاً لوطني، كلما عانق زهر المشمش روح نيسان بلهفة المتيم الولهان.. ويسمو عطر الحنين شفافا في سماء الخلود كلما قبّل الندى شقائق النعمان.. وتُحيي روح أدونيس ربيع بلادي.. والذي لا يضاهيه ربيع في جماله.. وفي شهر نيسان تتبختر قرية "الأمل" مزهوة بثوبها البنفسجي وبأكمام الزنبق..
ما أردت الرحيل يوما، لكنه قدري.. وفي الوداع اختنقت أنفاسي، وتلاشت أحاسيسي, كنت أتمنى أن امتزج مع التراب.. لكنها رسالتي المحتومة.. صار صمت غربتي ينزف: تشرداً، وحنيناً، وألماً، وتمزقاً، ووحدة . أريد العودة إلى وطني.. فأين أنا من وطني؟؟.
من يسألني عن مدى علاقتي بوطني كأنه يسألني عن مدى علاقتي بروحي.. فالروح لا تفهم بالمسافات، والأرقام، بل تحلق عاليا في سماء الحرية تنشر المحبة في كل مكان.. إحساسها بالغربة مؤلم.. حارق.. خانق.. وتتقطع إربا.. مشردة.. لقد بعثرتها الرياح العاتية.. كإحساس عاشق متيم بعيد عن حبيبته التوأم.. يتلظى بنار الشوق الملتهب.. ولا تُخمد ناره إلا بأنفاس روحه التوأم.. إحساس كما عطش الأرض المحتلة لماء الحرية يرويها..نصرا ومجدا.. 
هناك روحي منذ الأزل.. وتحلق عاليا للأبد.. أتنفس هواء وطني وعطره من عبق الياسمين. الحب وطني.. وأنا وطني.. والحب والوطن وحدة في قلبي لا تتجزأ.. والمحبة وطن الجميع.. فيا ليتني أغفو بين أكمام الزنبق في بلادي.

غربة نيسان / سلــوى فـــرح



salwa_farahها هو نيسان عاد يتبختر بسحره وروعته.. كيف لا وهو شهر الحب، والجمال، والخصوبة؟ كم أعشق نيسان وأجُله.. إنه سيد الشهور.. يتربع ملكا على عرش الربيع.. ويعبق بشذى عطر جميع الزهور..
كم أتمنى أن أضيع في غمرة نيسان و بين أحضان الأقحوان، والبنفسج.. استدفئ بلمسات النرجس وأتنفس من همسات المنثور.. و أكون برعماً صغيراً .. أتعمد بقطرات الندى فأتفتح كوردة جورية حمراء تملأ الدنيا بعبيرها المخملي..
أريد أن انصهر في روح الربيع فأغدو نسمة رقيقة تلامس رموش العاشقين، وأكفكف دموعهم الغالية.. و أغرق في خلايا النحل شهداً.. ليزداد نيسان حلاوة وعذوبة.. يا ليتني أصبح عندليباً يغرد بحرية بعيداً عن أقفاص البشر القاسية، وأن أتحول إلى فراشة حلم أطير أينما أشاء ولا أعود أبدا إلى عالم مريض مسحور بشعوذة المتخلفين وجهلة العقول..
آهٍ كم أفتقد نيسان وأحنُ إليه في بلاد الشرق، وكم تتراقص أحاسيسي طربا على إيقاعات ذكرى الأمس هناك في بلادي، كنت مع مجموعة من الفتيات الصغيرات نلهو و نمرح في بساتين التفاح كأننا نسابق الهواء بفرح غامر إلى نبع الصفاء في قريتنا لملئ جرارنا الفخارية، ثم نعرج إلى بساتين الورد نتجمع على شكل حلقة حول أزهار شقائق النعمان نقطف منها، وكانت كل واحدة منا تشتم شقائق النعمان وتغمض عينيها وتحلم بأمنية تتمنى أن تتحقق في حياتها ومستقبلها..
قالت إحداهن: أنها تحلم بالزواج، وثانية ترغب بأن تصبح طبيبة مشهورة، وثالثة تتمنى أن تصبح محامية وهكذا دواليك حتى جاء دوري.. أغمضت عينيّ، وقلت بعفوية: أريد أن أهاجر.. أريد أن أرحل إلى عالم بعيد جدا ولا أعود أبدا.. ولا أعرف لماذا اخترت حينها الرحيل؟؟ ما زال عبق شقائق النعمان والأيام الخوالي ملاذاً لذاكرتي حتى يومنا هذا..
دار الزمان وكبرت معه، وتحققت أحلامي.. هاجرت إلى الغرب.. لكني الآن وأنا في الغربة أشعر بأصعب أنواع الحرمان والحسرة لعدم وجودي في الشرق والاستمتاع بجمال وسحر فصل ربيعه، و لأنه أيضا لا ربيع في الدنيا يضاهي ربيع وغناء جنان بلادي..
أما في الغرب فقد فارق العطر شفاه الورود فغدت دون رائحة، حتى أنني صرت أسمع زقزقة العصافير حزينة ، ولا تُفرح القلب، وليس للبابونج نكهة، ولا للبرتقال مذاق، وقد دمر صقيع الثلوج الجمال في مناخ الغرب وأصبحت العلاقات بين البشر بلا ربيع..
أتساءل كثيراً لماذا رحلت أنا؟ ولماذا يهوى الإنسان - بشكل عام في الشرق- الرحيل ولا يقدر نِعَم بلاده الوفيرة والمتنوعة بغناها؟ ولماذا يعتبر أن الغربة هي الجنة وأن الله قد منح كل المغريات المادية للمغتربين؟؟ أسئلة عديدة تدور في رأسي..
بعد هذه السنين والتحديات التي عشتها في الغربة أدركت أن السعادة الحقيقة ليست في السفر والهجرة، وإنما هي في دواخلنا وليست في تغيير المكان.. وإن لم يشعر بها الإنسان في داخله لن يجد السعادة في أية بقعة أرض يكون.. ويبدو أن بحث الإنسان عن السعادة الوهمية- برأيي- يجعله يرى أن المجهول هو الحلم الوردي ولكن للأسف الشديد ربما هو الحلم الأسود لمن خاض هذه التجربة.. لذلك علينا تجديد ذواتنا من الداخل وتغيرها نحو الأفضل وليس بالتنقل والرحيل..
الغربة هي صقيع قاتل، و يدفع المغترب ضرائب باهظة خارج وطنه.. لا أحد يشعر بها إلا من عاشها.. ويجمع آلامه المُبرّحة في ثنايا ضلوعه.. فيعيش المغترب غربتين.. غربة عن الوطن الأم، وغربة عن ذاته والإحساس بالوحدة في داخله..
ولكونه فقط عربي الملامح و الهوية سيظل متهماً والنظرات تطارده وتحاكمه وتتهمه على جرم هو لم يقترفه أبدا.. إنه شعور مؤلم أن يحاسب الشخص على جرائم الآخرين، ويدفع ثمن أخطاء غيره من الجهلة.. و غدت حياة المغترب الشرقي مرهقة، وجامدة، وموت بطيء، مضافاً إلى ذلك أن دوران آلات العمل وساعاته الطويلة أحرقت الياسمين في أنفاسه وأفقدته الإحساس بذاته وبحياته الاجتماعية..
لقد فقد المغترب هويته.. ولن تعترف به الأجيال القادمة ولا بشرقيته.. الآن هو يعيش في حالة رعب حقيقية، ويخوض صراعاً عنيفاً لإثبات ذاته.. لا يستطيع العيش في وطنه ولا العيش خارجه.. نزيفه موجع في الحالتين .. أضحت روحه- رغم ألم الغربة وحنين الوطن- مدمنة على الرحيل.. وصدق من قال: من اغترب مرة واحدة أصيبت روحه بداء الرحيل ..والغربة هي شروع في معانقة الموت..
المغترب لا يرى، ولا زال يحلم بانقشاع الضباب ليرى النجوم والشمس على حقيقتها.. الألم أكبر من أن تعبر عنه الكلمات..
لقد تقاذفتني الأمواج إلى ديار الغربة ولا أدري ما الذي جرى حقا هل هو قدر طلبته روحي لاكتشاف ذاتي أم ماذا؟ لكن ضريبة الغربة كانت باهظة الثمن .. وكم هو مرير بأنك في حاجة إلى غمرة من أقرب الناس إليك ولا تجدهم حولك لتنالها، أو كلمة حانية تدفئ بردك ولا تسمعها.. لكن اليوم تغيرت قواميسي وطقوسي ونضجت حكمتي.. أتمنى أن أعود صغيرة إلى بساتين التفاح في وطني وأجتمع مع صديقات طفولتي لنقطف معا أزهار شقائق النعمان من جديد وشوقي إليه لا يوصف، فلو عدت طفلة ثانية، واجتمعت مع صديقات طفولتي سأقطف من أزهار شقائق النعمان وأغمض عينيّ، وأقول: أريد البقاء في وطني والموت على ثَرَاه الغالي.